AdsA2

وباء كورونا سيغير النظام العالمي إلى الأبد، مقال مترجم للمخضرم هنري كيسنجر !

قراءة وزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر Henry A. Kissinger لتداعيات وباء كورونا و تأثيراته على النظام العالمي 



مقال لهنري كيسنجر عن وباء كورونا و تغييره للنظام العالمي

مقال لهنري كيسنجر عن وباء كورونا و تغييره للنظام العالمي 



نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" Wall Street Journal الأمريكية مقالا للسياسي و الدبلوماسي و وزير الخارجية الأسبق  "هنري كيسنجر" Henry A. Kissinger (ولد في 1923) و الذي أودع فيه قراءته و رؤيته للحالة السياسية و الإقتصادية في العالم ما بعد وباء كورونا حيث يرى أن هذه الجائحة ستغير النظام العالمي للأبد و أن على الولايات المتحدة حماية مواطنيها من المرض أثناء بدء العمل العاجل للتخطيط لعصر جديد !
فيما يلي الترجمة الكاملة للمقال


"إن الجو السريالي لوباء Covid-19 اليوم يذكرني بما شعرت به عندما كنت شابًا في فرقة المشاة 84 خلال مشاركتي في المعارك أواخر عام 1944 حيث يسود اليوم الإحساس ذاته بالخطر الوشيك و الذي لا يستهدف شخصا بعينه إنما يهدد الجميع بشكل عشوائي و مدمر
لكن هناك فرق مهم بين تلك الفترة البعيدة و بين زمننا، حيث تم في ذلك الوقت تدعيم القدرة الأمريكية على التحمل بهدف وطني نهائي، أما الآن و في دولة مقسمة تُعدّ الحكومة الفعّالة و بعيدة النظر ضرورية للتغلب على العقبات التي لم يسبق لها مثيل من حيث الحجم و النطاق العالمي
إن الحفاظ على ثقة الجمهور أمر حاسم للتضامن الاجتماعي و لعلاقة المجتمعات ببعضها البعض و للسلام و الإستقرار الدوليّين

تتماسك الأمم و تزدهر في الإعتقاد بأن مؤسساتها يمكن أن تتوقع الكارثة و توقف تأثيرها و تستعيد الإستقرار
فعندما تنتهي جائحة فايروس Covid-19 سيتم النظر إلى مؤسسات العديد من البلدان على أنها قد فشلت
لا يهم ما إذا كان هذا الحكم عادلاً بشكل موضوعي أم لا، و لكن الحقيقة هي أن العالم لن يكون كما كان عليه بعد وباء كورونا، و لا شك أن الجدال الآن حول الماضي سيجعل من الصعب القيام بما يجب القيام به

لقد أصاب الفيروس التاجي دول العالم بشكل غير مسبوق حجمًا و شراسة غير مسبوقين، حيث نجد في حالة الولايات المتحدة أن حالات الإصابة تتضاعف كل 5 أيام، و حتى كتابة هذه السطور لا يوجد علاج فعلي لكورونا، كما أن الإمدادات الطبية غير كافية لمواجهة موجات الإصابات المتزايدة، وحدات العناية المركزة على وشك العجز عن تحمل الحالات، في حين أن الإختبار الفيروسي غير كافٍ لتحديد العدد الحقيقي للإصابات ناهيك عن تحديد مدى إنتشار الوباء مع أن إيجاد لقاح ناجعولا يكون جاهزا قبل 12 إلى 18 شهرًا

لقد قامت الإدارة الأمريكية بخطوة قوية لتجنب الكارثة الفورية، لكن سيتمثل الإختبار النهائي فيما إذا كان من الممكن إيقاف إنتشار الفايروس ثم عكسه بطريقة و على نطاق يحافظ على ثقة الجمهور في قدرة الأمريكيين على حكم أنفسهم، يجب ألا تخبو جهود مواجهة هذه الأزمة مهما كانت تلك الجهود ضخمة و ضرورية، فالمهمة العاجلة اليوم متمثلة في إطلاق مشروع موازٍ للإنتقال إلى نظام ما بعد فايروس كورونا

يتعامل قادة العالم مع هذه الأزمة على أساس وطني بحت، إلا أن تداعيات التفكك الإجتماعي المترتب عن تفشي هذا الفيروس لا تعترف بالحدود، فالإضطرابات السياسية و الإقتصادية التي تسبب بها الوباء قد تستمر لأجيال
لا يمكن لأي دولة، و لا حتى الولايات المتحدة، أن تتغلب على هذا الفيروس بجهد وطني محض، حيث يجب أن تقترن معالجة الضرورات الملحّة و المستجدّة برؤية و برنامج تعاونيّين عالميّين، فإذا لم نتمكن من القيام بالأمرين معا فسوف نواجه أسوأ ما في الأمرين

من خلال إستخلاص الدروس من تطوير خطة مارشال و مشروع مانهاتن، تلتزم الولايات المتحدة ببذل جهد كبير في ثلاثة مجالات مهمة

أولاً، دعم المرونة العالمية تجاه الأمراض المعدية

حيث أن إنتصارات العلوم الطبّية مثل لقاح شلل الأطفال و القضاء على الجدري أو الأعجوبة الفنية و التقنية الناشئة للتشخيص الطبي من خلال الذكاء الإصطناعي قد أوقعنا في حالة من الرضا عن النفس، نحن بحاجة إلى تطوير تقنيات جديدة لمكافحة العدوى و لإيجاد اللقاحات المناسبة عبر مجموعات كبيرة من السكان، يجب أن تستعد المدن و الولايات و المناطق بإستمرار لحماية سكانها من الأوبئة من خلال التخزين و التخطيط التعاوني و الإستكشاف العلمي

ثانيًا، السعي لشفاء جراح الإقتصاد العالمي

لقد تعلّم قادة العالم دروسًا مهمة من الأزمة المالية لعام 2008 لكن الأزمة الإقتصادية الحالية أكثر تعقيدًا، حيث أن الإنكماش الذي خلّفه الفايروس التاجي هو في يتميز بسرعته و مدى توسع نطاقه العالمي على عكس كل الأزمات السابقة عبر التاريخ، و هنا فإن تدابير الصحّة العامّة الضّرورية مثل الإبعاد الإجتماعي و إغلاق المدارس و إيقاف عمل الشركات يساهم بلا شك في تعميق الضرر الإقتصادي مما يوجب على البرامج أيضًا السعي إلى تحسين آثار الفوضى الوشيكة على أضعف السكان في العالم

ثالثاً، حماية مبادئ النظام العالمي الليبرالي

الأسطورة التأسيسية للحكومة الحديثة هي مدينة مسورة يحميها حكام أقوياء مستبدون أحيانا و أحيانا خيّرون، لكنها قوية دائمًا بما يكفي لحماية الناس من عدو خارجي !
أعاد مفكرو التنوير صياغة هذا المفهوم بحجّة أن الغرض من الدّولة الشرعّية هو توفير الإحتياجات الأساسية للناس مثل الأمن و النظام و الرفاهية الإقتصادية و العدالة حيث لا يمكن للأفراد تأمين هذه الأشياء بأنفسهم، لكن هذا الوباء قد أثار مفارقة تاريخية حيث أحيى فكرة المدينة المسوّرة في عصرٍ يعتمد فيه الإزدهار على التّجارة العالميّة و حركة الناس

تحتاج ديمقراطيات العالم إلى الدفاع عن قيم التنوير و الحفاظ عليها، حيث أن التراجع العالمي عن موازنة السلطة مع الشرعية سيؤدي إلى تفكّك العقد الإجتماعي محليًا و دوليًا، ومع ذلك فإنه يمكن تسوية قضيّة الشرعيّة و القوة الألفية هذه في وقت واحد مع محاولة التغلّب على وباء كورونا Coronavirus مما يجعل ضبط النفس و تحديد الأولويّات ضروريا من جميع الجوانب في كل من السياسة الداخلية و الدبلوماسية الدولية

لقد إنتقلنا من معركة التنامي إلى عالم من الإزدهار المتزايد و تعزيز الكرامة الإنسانية، أما الآن، فنحن نعيش فترة تاريخية حيث يكمن التحدي التاريخي للقادة فيها في إدارة الأزمة و بناء المستقبل، لأن الفشل يمكن أن يدمّر العالم .






إقرأ أيضا : 





مستقبل المعرفة©

Post a Comment

0 Comments